الشيخ محمد رشيد رضا
326
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إليهم التشوه ، فتجحظ أعينهم ، وتمتقع سحنتهم ، وتعظم بطونهم ، بل قال أحد أطباء الألمان إن السكور ( كثير السكر ) ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين ، ويكون كالهرم جسما وعقلا ، ومنها مرض الكبد والكلى ، وداء السل الذي يفتك في البلاد الأوربية فتكا ذريعا على عناية أهلها بقوانين الصحة ، ولكن لا وقاية من شرور السكر إلا بتركه ، وقد قيل إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوروبا بداء السل . ولم يكن هذا الداء معروفا أو منتشرا في مثل هذه البلاد ( مصر ) قبل شيوع لسكر فيها ، فهو من الادواء التي حملها إليها الأوربيون ، وقد كثر كثرة فاحشة في مصر على أن جوها لا يساعد على انتشاره . وأما ضرر الخمر في العقل فهو مسلم عند الناس وليس ضرره فيه خاصا بما يكون من فساد التصور والادراك عند السكر ، بل السكر يضعف القوة العاقلة ، وكثيرا ما ينتهي بالجنون ، ولأحد أطباء ألمانية كلمة اشتهرت كالامثال وهي « اقفلوا لي نصف الحانات ، أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجىء ( التكايا ) والسجون » وقد قال الأطباء ان المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم ، بل يبقى على حاله فيزاحم الدم في مجاريه ، فتسرع حركة الدم ، وتختل موازنة الجسم ، وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف ، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل ، فمن تأثيره في اللسان اضعاف حاسة الذوق ، وفي الحلق الالتهاب ، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم حتى يغلظ نسيجها وتضعف حركتها ، وقد يحدث فيها احتقانا والتهابا ، وفي الأمعاء التقرّح ، وفي الكبد تمديده وتوليد الشحم الذي يضعف عمله ، وكل هذا يتعلق بما يسمونه الجهاز الهضمي . ومن تأثيره في الدم أنه بممازجته له يعوق دورته وقد يوقفها أحيانا فيموت السكور فجأة ، ويضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تنسد أحيانا فيفسد الدم ولو في بعض الأعضاء فتكون الغنفرينا التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله فيكون هالكا ، وتصلب الشرابين يسرع الشيخوخة والهرم ومن تأثيره في جهاز التنفس إضعاف مرونة الحنجرة ، وتهييج شعب التنفس ،